اخر المقالات
1/12/2007 - 02:28:10 pm
أشجار زيتون بأسماء الأحفاد

كل الطرق في قرية "قبيا" كانت تقودني، رغم حفرها الكثيرة، إلى أحراش زيتون زينت رائحة زيتها الناضجة رحلتي، لتنقلني وزميلي المصور بعيداً عن إرهاق ثلاث ساعات من الانتظار على حاجز حوارة العسكري الذي يفصل مدينة نابلس وأريافها عن باقي الضفة الغربية.

أطلقت على أشجار الزيتون أسماء أحفادهابضعة مئات هم كل سكان هذه القرية، لا أحد منهم ينتمي وجوداً إلى أبعد من جدار أحاط القرية من جهاتها الثلاث وارتفع عالياً ليحاصرها ويشذ عن المشهد العام للمكان.

ترجلت وزميلي نائل،المصور، من السيارة عندما انتهت الطريق، يقود خطانا صوت نسائي يترنم بموال قديم، فاجأت نفسي أردد كلماته، وباتجاهه حثثنا الخطى.

وعلى أنغام هذا الموال اهتديت أخيراً للجدة "أم جمال"، كانت قد لملمت أطراف ثوبها وما تبقى من سنوات عمرها التي جاوزت المئة لتنحني بخشوع تحت أغصان شجيراتها مداعبة حبات زيتون قليلة...وبها تعد السنوات التي غادرتها .

بعفوية الفلاح، أفسحت لي الجدة مكاناً بجانبها على حصيرة افترشتها تحت إحدى زيتوناتها، فيما تعلق أحد أحفادها أعلى الشجرة يهز أغصانها مسقطاً ما نضج من حبات الزيتون..وتستعين الجدة براحة يدها على ضعف بصرها لتلتقط ما يسقط من حبات.

وبدون مقدمات أو تمهيد، بثت الجدة شكواها: " جيل اليوم....يشكو دون ألم، رحم الله أيام زمان، كان موسم الزيتون عندنا يستمر بالأسابيع، كان لدينا أكثر من ألفي شجرة زيتون، أصغر واحدة منهم عمرها من عمر هذا" قالت الجدة مشيرة إلى حفيدها حازم، وهو شاب في العشرينيات من عمره.

بين الواقع والذكرى

أم جمال بالنسبة لأهالي القرية، هي المختار، أو كبيرة القرية، ليس عمراً فحسب، فقد ورثت هذه الصفة عن والدها تماماً كما ورثت 130 دونماً من الأرض المشجرة بالزيتون كانت نصيبها من أرض والدها. صادرتها إسرائيل جميعاً قبل ثلاث سنوات لبناء جدار الفصل المحيط بالقرية، وخلف هذا الجدار كانت تتراقص ذكريات العجوز.

"كنا نجمع الشباب والصبايا مع كل موسم، وننطلق بالزوادة إلى الأرض لنعلن بدء موسم القطاف الذي يستمر عدة أسابيع بين القطاف وتحضير الأرض للموسم القادم ثم عصر الزيتون وبيعه، كان عيداً ثالثاً بالنسبة لنا نحتفل به بطريقتنا" استذكرت الجدة أيام زمان فيما تسرح نظراتها باتجاه الجدار الذي يقابلنا وكأنها تحاول اختراقه بعينيها.

وبين رغباتها الجارفة باستعادة تلك الذكريات، والأقدار المعاكسة، كان قدر الجدة...صحيح أن الزمن وثق حضوره بقوة في ملامح وجهها الدافئة، وأثقل ذاكرتها بالكثير من الألم، لكن علقم فقدان الأرض واشجار الزيتون بالنسبة لها فاق مجرد احتجازها خلف الجدار ليتمثل بصورة أكثر قسوة: " حتى بعد مصادرة الأرض وبناء الجدار، كنا نستصدر تصاريح مرور للأرض خلال الموسمين الماضيين تمكنا من قطف الزيتون، هذا لم يعجبهم" قالت الجدة وتقصد مستوطني مستعمرة " بيت آريه" المقامة على أراضي القرية.

من "مالكة" إلى "عالة"

ولم تتوقف حكاية الجدة مع جيرانها عند هذا الحد: " قبل سبعة أشهر، استيقظنا على دخان غطى سماء القرية، لقد أحرقوا الأرض بما عليها، وأحرقوا قلبي معها" قالت الجدة واصفة المنظر.

واستطردت :" لم أعرف كيف وجدت نفسي هناك، أحاول إطفاء النار بثوبي وبطرحة رأسي، كانت روحي تغادرني مع كل غصن يحترق، فقد كبرت مع هذه الزيتونات، رعيتها كما أرعى أبنائي وأكثر" تحدثت العجوز بطلاقة لهجتها الريفية .

بريق عينيها وهي تتحدث كان يفضح دمعات قاومتها الجدة مكابرة لتطلقها تنهيدة مدفونة فيما تنطقه حركة جسدها غضباً عندما تخونها الكلمات، فقد تحولت بين ليلة وضحاها، من مالكة أرض ومال إلى عالة على أحفادها العاطلين عن العمل أصلاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون منذ بدء بناء الجدار.

الواقع الجديد الذي فرض على الجدة "ابنة العز والدلال" كما وصفت نفسها، دفعها للهروب منه إلى عالم جديد خلقته لنفسها ولأحفادها الثلاثة عشر الذين لم يعيشوا موسم الزيتون من قبل " زرعت هنا حول المنزل ثلاثة عشر شتلة زيتون، وأطلقت على كل واحدة منهم اسم أحد أحفادي، والسنة، أول سنة تثمر فيها الزيتونات، لازم يعرفوا قيمة الزيتونة" قالت الجدة وقد رسمت تجاعيد وجهها ابتسامة باهتة .

صمتها الذي حكم المكان، حكم علي بالمغادرة، ودعتني وكأنها تضع بين يدي قطعة من حزنها "صحيح أنهم أخذوا الأرض، وصحيح أنهم أحرقوا الشجر، لكن هذه شجرة مباركة"، همست الجدة في أذني فيما أودعها لأحث وزميلي الخطى لبلوغ الطريق قبل هبوط الظلام.


لارسال اخبار ومواد لموقع كفار واي راسلونا عبر البريد الالكتروني [email protected]
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
قنوات الموقع
Copyright © Kfary.com 2007-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع كفار واي
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com
X أغلق
X أغلق