اخر المقالات
6/5/2008 - 12:41:33 am
غفلة الأيام وصحوة الأوهام – بقلم الكاتب عمر رزوق - ابوسنان

كلمات ذات علاقة - غفلة الأيام وصحوة الأوهام – بقلم الكاتب عمر رزوق – ابوسنان , الجليل

كل لحظة يموت الكثير من البشر.

كل مولد فجر يولد الكثير من الأطفال .

كل يوم نشتري الكثير من أجمل الملابس للطفل القادم .

كل إشراقة شمس نعدّ الكفن لعزيز راحل .

كل ساعة غروب نحتفل ونفرح والمناسبات كثيرة .

كل رمشة عين نتقبّل التعازي بعزيز فقدناه .

وتستمر الحياة

يولد الإنسان باكيا صارخا والناس من حوله يبتسمون ويضحكون , تتلقفه الأيدي , تحتضنه تحنو عليه تربيه وترعاه فينمو وينشأ , ثم ... يموت وترى نفس الأشخاص الذين ضحكوا وفرحوا لقدومه بالأمس , يبكون محزونين اليوم لفراقه ورحيله .

وتستمر الحياة

يخوض هذا الإنسان في غمار الحياة ومعاركها بضراوتها وقسوتها , ويعيش مباهجها بجمالها ورقّتها وفتنتها , كلٌ بما قسم الله جل جلاله له .

يتوادد مع هذا ويتخاصم مع ذاك , يلتقي حبيبا ويودّع رفيقا , يخاصم يصادق يتقرّب ويجافي يتذكّر وينسى يحب ويكره ويستمر دوران الدوائر, ويعيش لذات الأيام بمختلف صورها وأشكالها , ويتنازع الشهور بمختلف تقلّبها بهجتها وتجهمها , ويتجاذب العمر بين سنين وأعوام .

وتستمر الحياة

ينمو فيرى قوّته وجماله واكتمل جسده فتعجبه نفسه , ينسى من رحلوا عنه , ينسى أولئك الذين دفنهم بيديه بالأمس , ينسى الماضي ما لم تذكّره به يمشي في زحام الدنيا , قد يتوقف على مفارق لا يعرف اتجاهاتها وقد يسلك دروبا لا يعرف منتهاها ويسير بمسالك لا يعرف مبتغاها , يشهد أفراح الآخرين ويشاركهم بها ويحزن لمآسي الأقارب والمعارف ويواسيهم بها .

وتستمر الحياة

يكبر وينمو عقله وجسمه , تزداد معلوماته وخبراته من تعلّمه ومن اكتسابه من معاركته الدنيا , يغفل عن قسطا وينسى قسما ويستفيد من القليل المتبقّي منها , يبلغ رشدا ... يتزوّج ... ينجب أطفالا ... يربيهم ... يكبرون حتى يصبحون أكثر طولا منه .

وتستمر الحياة

في وسط دائرة الحياة , في خضم التشتت بين الرغبة والآمال وبين الواقع والأوهام , في التصارع بين جذبين , روعة الطموح والقناعة بالواقع , ينسى الإنسان لماذا خُلق .

هل من أجل أسلوب حياة كتلك خُلق؟!

أمن أجل تحقيق أهداف كهذه خُلق؟!

أمن أن اجل أن تكون الدنيا هدفا يحققه ويصيبه ؟!

أم أنه خُلق في هذه الدنيا الوسيلة لهدف ليس في هذه الدنيا يسعى إليه محاولا الوصول إليه وتحقيقه ؟!

يقف هنيهة ... يتأمل حاله وحالته , يتذكّر ماضيه , يسترجع ذكريات أيامه الخوالي ويستشرف أيامه التوالي ليكتشف أنه نسي في زحام ذلك الطريق شيئا من ممتلكاته , أو فقد صديقا مخلصا أو ودّع في إحدى محطات حياته أخا وفيّا أو فشلَ سعيٍ في تحقيق أمل أراده .

في لحظة شرود وحزن جارفة , تحاصره نفسه لتسأله : أكنت تمشي دون هدف أكنت تطير دون اتجاه أكنت تسير إلى لا مكان ؟

يأخذ نفسا عميقا وينفثه طويلا , عله يراجع حساباته , فيرى أنه فقد الكثير وأنه ما زال يفقد ويستمر ثم يعترف , الحياة ستزول , حتما ستزول , تماما كما زال هؤلاء وتنتهي كما انتهى أولئك الذين رحلوا والذين فقدتهم , تُرى ,كم من الأشياء المهمة فقدتها أيضا ؟! لا تدحرج مقلتيك ناظرا للفضاء , فلست واجدا الإجابة هناك .

أسمع تثاؤبا بداخلي , تُرى من النائم الذي تذكّر أن يصحو اليوم ؟

هو ضميري إذا ... ما الذي جعله يصحو الآن ؟!

عمت صباحا أيها الضمير , ما أطول ما نمت . أكان يجب أن أخسر وأفقد وأودّع وأنسى الكثير من الأشياء حتى تصحو ؟

لمَ جرحتُ من جرحت ؟ لمَ ظلمتُ من ظلمت ؟لمَ قسوتُ , لمَ تكبّرت , لمَ خدعت وسرقت ودُستُ على كل من حولي بدعوى أن الحياة تستمر ؟ لمَ نسيتُ قيَمي ومبادئي , لمَ نسيتُ نهجي ومنهجي ؟!

عذرا ... كنتَ نائما وقتها !

تُرى , كم من الفرص أضعت وكم من دروب الرذيلة سلكت ؟ وكم بإقامة الشعائر تكاسلت , وعن دروب الفضيلة شطّتُ , وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تغافلت , أين كان عقلي وقتها !

مرّة أخرى أعتذر , كنتَ يا ضميري تغط في سبات كسبات أهل الكهف . لكن ألم يكن هناك منبّه أو يد توقظك , نعم بل يوجد , كنت أسمع منبه قوي يقول :" ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " .

كان رنينه لا ينقطع , ولكنك لم تستيقظ .

سهرتُ كثيرا يا ضميري من أجل حسابات دنيوية وتفاهات بشرية , سهرت كثيرا ونمت كثيرا , غفلت كثيرا وتخلفّت كثيرا , كان هناك طوال الوقت منبها يدق لتصحو ولكنك لم تفعل , واليوم عرفت بأن الحياة لن تستمر , وهل تستمر ؟! أين أبي وأمي أين صديقي الذي رحل وقد كان يافعا , أين حبيبي الذي أفنيت عمري لإسعاده ,لا بد وأن هناك نهاية وأن الحياة بالتأكيد ستزول , أكنتَ تنتظر حتى أنتهي أنا لتكتشف أن الحياة ستنتهي ؟
لا تتكلم ... لا تعتذر ... أعرف ... كنت نائما يومها .

ضاع مني الكثير في طرقات الدنيا ومتاهاتها وخسرت الكثير حين غرّتني الحياة بشبابي وفتنتني بجمالي وعنفواني , وفقدت ما هو عزيز بسبب كبريائي وعنجهيتي . أولئك الذين ظلمتهم , أين أجدهم فأسافر لهم ليسامحوني , أين أولئك الذين أخطأت في حقهم , أبحث عنهم ليسامحوني , أين أجد أولئك الذين استهزأت بهم وحططت من قدرهم من غير حقّ فأعتذر لهم . وأنا ... كيف سأسامح نفسي ... كيف سأغفر لها وقتا من العمر ولّى دون عودة ؟! ندمت على كلمة كتبتها , فأي نوع من الماحيات سيمحوها ؟! كلمة قلتها , أي غبار يعلوها فيجعلها في طي النسيان ؟! عمل عملته أي الكفّارات تكفّره لم أنسَ أخطائي وذنوبي ولم أستطع , فكيف ينساها علاّم الغيوب , الواحد القهّار , ستّار العيوب , بالليل والنهار ومصلح القلوب , للأخيار والأشرار ؟!
سراب هولا محالة .

متشعبة هي الطرق التي سلكتها , فهل من دليل ؟! مظلمة الدهاليز التي سرت بها , فهل من مرشد , مظلمة مسالكي التي اخترت , فهل من ينير الطريق , ظلامها دامس السراديب التي أخطأت بها , فهل من نور يبهر بصري وبصيرتي ؟!

لعلني التقط بعضا من الدقائق أو أشتري لحظة حياة حقيقية , ولكنها كانت طوال الوقت موجودة وكنت أستثقل مرورها و كانت أمامي وكنت لا أراها , كان كل شيء بيدي واليوم أحثوه ترابا على وجهي , كيف حصل هذا ؟! وكيف السبيل إلى إصلاحه , هل من سبيل ؟! هل ارتحت أيها الضمير ؟!

يتبع....
    عمر رزوق

ابوسنان


لارسال اخبار ومواد لموقع كفار واي راسلونا عبر البريد الالكتروني [email protected]
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
قنوات الموقع
Copyright © Kfary.com 2007-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع كفار واي
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com
X أغلق
X أغلق