اخر المقالات
11/5/2008 - 02:24:05 pm
حركة غوش إيمونيم, بقلم بروفيسور حسيب شحادة

حركة غوش إيمونيم

ا. د . حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

ترجمة اسم هذه الحركة الدينية السياسية الإسرائيلية "كتلة الإخلاص والثقة " وقد تأسست إثر حرب تشرين الأول عام 1973 )حرب يوم الغفران في الأدبيات اليهودية( وعلى وجه التحديد، في شهر شباط عام 1974. تُعتبر هذه الحركة من أهم الحركات اليهودية التي تنادي وتعمل جادّة من أجل التهويد من فوق وهي تسير على هدي تعاليم الحاخام تصفي يهودا كوك والمستوطنين المتدينين. وفي هذه التعاليم صهيونية جديدة لا تعرف لا الليبرالية ولا العالمية وإذا كانت الحركة الصهيونية ما قبل العام 1967 قد اتّسمت بالكولينيالية فمنذ ذلك العام وصاعدا غدت ذات نهج كولينيالي بامتياز في الضفة الغربية وقطاع غزة. في شهر شباط المذكور اجتمع بعض تلامذة الحاخام المعروف، كوك الابن ت . 1982 المعلم الروحي، لهذه الحركة في كفار عتصيون جنوبي بيت لحم وأرسوا أسسها الدينية، وكان جلّ هؤلاء المؤسسين من مواليد إسرائيل أي من " الصابرا " الذين درسوا في مدارس دينية يسيطر عليها الحزب الديني القومي، المفدال. مثل هذا الشباب المتدين المنخرط في "مركز هَراب" التابع للحاخام كوك كان قد حصل بعد حرب 1967 على ما يسمّى بالتوفيق بين الخدمة العسكرية والدراسة الدينية في المعهد الديني " يِشيبا " وسمّي هذا النظام باسم " يِشيبوت هِسْدير" أي ربط الفكرة الالهية بالشعور القومي . ويشار إلى أن لفظة “الصابرا”، متحدرة من اللغة العربية، الصُّبار أو الصُّبّار وقد أطلق هذا النعت على اليهود المولودين في فلسطين للشبه بينهم وبين هذه النبتة فهي شائكة مؤذية من الخارج وذات فاكهة مفيدة ولذيذة المذاق من الداخل , ومما يجدر ذكرُه أن الغوشيين اليوم كلهم تقريبا من الإشكناز، اليهود الأوروبيين.

ترى هذه الحركة نفسها بأنها داعية من أجل إعادة تهويد إسرائيل أو بالأحرى أرض إسرائيل وهي غير واضحة المعالم والحدود، أمن النيل إلى الفرات وفق الرؤية التوراتية؟ (هذا المفهوم، أرض إسرائيل، يعود تاريخه إلى قرابة ثلاثة آلاف عام، وفي التوراة الاسم هو ”أرض كنعانأو ”أرض الأموري”، أو ”أرض العبريين” ولا ذكر للفظتين ”أرض إسرائيل”، وفي الأنبياء الأوائل ورد ذكر هذا المصطلح ليدلّ على مواطن سكن أسباط إسرائيل. والنبي يحزقيل مثلا يستعمل ”أدمات إسرائيل” أيضا وهي مفردة مترادفة، دون تحديد جغرافي أو سياسي. منذ عهد الهيكل الثاني وحتى اليوم :أرض إسرائيل” تعني بلد شعب إسرائيل، الشعب اليهودي، وهل كان هذا الشعب شعب هذه البلاد؟؛ ومن المعروف مثلا أن عكا وعسقلان غير تابعتين لأرض إسرائيل وفق الشريعة اليهودية، ألهلاخاه، غدت دولة إسرائيل من بلاد الاختيار إلى بلد اللجوء) . هذه التسمية التوراتية تضفي على اعتقاد هذه الحركة شرعية احتلال الأراضي بناء على عهد خاص مبرَم بين الخالق وشعبه المختار. إذن انبثقت هذه المنظمة عندما ساد المجتمع الإسرائيلي جوّ عميق من البلبلة والاهتزاز والهزيمة إثر الضربة العسكرية المفاجئة التي سددتها مصر وسوريا.

الغوشيون فعّالون جدا في التظاهر وتنظيم المسيرات والتظاهرات في الأراضي المحتلة واتخاذ المواقف الاستفزازية والهجومية. كما وكان لهم، وما زال، اليد الطولى في إقامة المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. ولا ريب أن هذه المستوطنات المبثوثة كنبات الفطر إثر الأمطار تشكل حجر عثرة في طريق إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. وفي قاموسهم تُدعى الضفة الغربية باسم  يش أي " يهودا والسامرة " أو الأراضي المحرَّرة، ولا بدّ من التنويه إلى أن عبارات عديدة كانت قد استخدمت إثر احتلال الضفة الغربية في عام 1967 منها كلمة منحوتة بالعبرية مؤداها بالعربية أراض أو مناطق محررة وممسوكة), شِطحيم مِشُحْزَقيم) ، وربما نطلق عليها لفظة عربية بديلة منحوتة لتوثيق تلك الحقبة بقولنا " أراضٍ مُحَمْسكة "، وأضحى الاختصار العبري ’??’’?’ يدل على الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا النشاط الاستيطاني المحموم تجلّى بإنشاء مستوطنة إيلون موريه الواقعة بالقرب من مدينة نابلس. ثماني مرّات حاول الغوشيون جاهدين بغية إقامة المستوطنة المذكورة إلا أن الجيش الإسرائيلي كان يطردهم من الموقع المذكور وفي الكرّة التاسعة في شهر كانون الأول من العام 1976 أقيمت " إيلون موريه ". وبالرغم من مشاركة " غوش إيمونيم " في السياسة الإسرائيلية إذ أن بعض رموزها قد وصل إلى البرلمان الإسرائيلي إلا أنها لم تؤسّس حزباً سياسيا .

تعود محاولات الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 غداة ذلك العام . كان ذلك في الخليل عندما استولت مجموعة من الشباب المتدين اليهودي بقيادة الحاخام موشه ليفنچِر فندقا في المدينة . وفي عام 1970 شرع بإقامة مدينة يهودية بالقرب من الخليل دعيت بالاسم التوراتي " قِريات أربع ". يمكن القول إن عدد المستوطنات كان محدودا حتى استيلاء حزب الليكود على سدّة الحكم بقيادة الزعيم المعروف مناحيم بيچن عام 1977. أضفى رئيس الحكومة الإسرائيلية الجديد بيچن شرعية الدولة على الاستيطان الغوشي. ففي مستهل حُكمه أعلن بيچن من على مستوطنة " إيلون موريه " قائلا : "ستكون لنا إيلونات موريه عديدة في المستقبل". يبدو أن شهر العسل بين بيچن والغوشيين لم يعمّر طويلا ففي خريف 1977 زار أنور السادات القدس وفي عام 1979 وقّعت اتفاقية كامب ديفيد وأعيدت سيناء إلى أصحابها في نيسان 1982 رغم أنف المعارضين الراديكاليين وعلى رأسهم الغوشيون .

تتسم " كتلة الإخلاص" بمبادرات ذات طابع فردي واعتباطي في كثير من الأحيان، كما أن إطارها التنظيمي ليس على درجة عالية من التماسك والانضباط. إذ أنه منذ عام 1980 اتجه بعض زعماء الغوشيين نحو ممارسة أعمال العنف والإرهاب ضد الفلسطينيين كما حصل بالنسبة لرؤساء بعض المدن الفلسطينية. وفي بداية عام 1982 حاولت شبكة سرية اشترك فيها غوشيون تفجير ما أسموه "بالرجس"، قبة الصخرة والمسجد الأقصى، لاستنفار ملايين المسلمين في العالم للجهاد واندلاع حرب ياجوج ضد ماجوج وانتصار إسرائيل في آخر المطاف وذلك سيمهّد مجيء المسيح ويسرّع فيه. من أهداف الغوشيين إقامة مملكة إسرائيل بدلاً من دولة علمانية صهيونية وطرد " الأغيار" أي غير اليهود أي العرب في هذا السياق.

في اعتقاد هذه الحركة أرض الميعاد هي أرض لليهود، شعب الله المختار فحسب. في الواقع لقد ترددت فكرة نسف قبة الصخرة والمسجد الأقصى إثر احتلال إسرائيل للقدس في حزيران عام 1967، إذ أن رئيس حاخامات الجيش الإسرائيلي طلب ذلك إلا أن موشه ديّان وزير الدفاع الاسرائيلي آنذاك عارض الفكرة. ومما يجدر ذكره بأن الشريعة اليهودية، الهالاخا، تحظر دخول اليهود إلى ما يسموه باحة الهيكل قبل ظهور المسيح المنتظر. بناءً على الشريعة اليهودية لا يجوز للعنصر البشري أن يتدخل في تسريع موعد بناء الهيكل الثالث ومجيء المسيح . كان المتآمرون على تفجير المسجد الأقصى وقبة الصخرة يهدفون، في واقع الأمر، إلى نسف مسار السلام مع العرب
في تشرين الأول عام 1990 حاولت مجموعة من الغوشيين وضع حجر الأساس للهيكل الثالث وعارض ذلك الفلسطينيون ودفعوا ثمنا باهظا، استشهاد نحو عشرين إنساناً. من الشخصيات البارزة في هذه المنظمة يمكن التنويه بموشي ليفنچر، زعيم مستوطني الجليل والقائل بالإرهاب المضاد، يوئيل بن نون الذي ينادي بالاغتيال السياسي، شَبَتاي بن دوف ت . 1979 القائل بأن افتداء إسرائيل فريضة مطلقة حتى ولو أدى ذلك إلى مواجهة الدولة الصهيونية .

تستمدّ الحركة بعض أفكارها من القبّالا اليهودية وهي بمثابة الصوفية اليهودية . هذا الفكر الصوفي كان شائعا في صفوف اليهود في أوروبا في القرن السادس عشر . يرى زعماء هذه الحركة ومؤيدوها أن معاملتهم للفلسطينيين مستمدّة من الهالاخاة وتتوقف على قوة اليهود. عند تمتع اليهود بالقوة الكافية فإن الواجب الديني يحتّم عليهم طرد الفلسطينيين من البلاد. هذه الحركة لا توافق على مبدأ الأرض مقابل السلام مع الفلسطينيين لأنها تعتقد بأن الأرض يهودية إلى الأزل بمقتضى العهد الإلهي. ولكي تبرهن على ذلك قامت بإنشاء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة.

تعتبر مستوطنة "بيت هداسا" في قلب مدينة الخليل من أكثر البؤر تشددا وتعصبا والجدير بالذكر ان يجئال ألون، وزير خارجية سابق من حزب العمل، كان قد غرس المستوطنين الأوائل في الخليل. وكما أن شمعون پيرس رئيس إسرائيل الحالي كان قد أقام المستوطنة الأولى في قِدوميم في قلب الضفة الغربية. أما تيدي كوليك رئيس بلدية القدس سابقا فقد أقام مستوطنة معليه أدوميم، الخان الأحمر، بين القدس وأريحا وتزيد مساحتها عن مساحة تل أبيب ويبلغ عدد سكان المستوطنات زهاء الربع مليون مستوطن. ويشار أن دانييلا فايس، إحدى النشيطات في هذه الحركة كانت قد صرّحت في صحيفة هآرتس في 28 شباط 1979 ما معناه " ليس من شأني ولا يهمني لمن تعود ملكية الأرض . احتياجاتي واحتياجات المستوطنين ذات أولوية على أي اعتبار آخر". ويذكر إلى أن حوالي سبعة آلاف مستوطن يهودي كانوا حتى الانسحاب أحادي الجانب الأخير يعيشون على 53% من أراضي قطاع غزة المحتل في حين أن زهاء المليون والثلاثمائة عربي فلسطيني يعيش على البقية
وختاما نورد ما قاله أحد أبرز المفكرين اليهود في إسرائيل، البروفيسور يشعْياهو ليبوبيتش، 1903-1994، الذي كان حائزا على شهادة الدكتوراة في عدّة مواضيع كالفلسفة والطب والبيولوجيا والبيوكيمياء وتاريخ العلوم. ومما قاله عن غوش إيمونيم عام 1989 ما معناه: "غوش إيمونيم يرفعون اسم الله عبثا مثلما رفع هتلر اسم الاشتراكية باسم حزبه سدىً، وفي أمكنة أخرى صرّح: أعطيت التوراة لشعب إسرائيل وليس لدولته، وأثار سؤالا جريئا ومؤرقا: ”ألسنا نخطو نحو قومية يهودية بمفهوم موسيليني؟ )الشعب عبارة عن مجموعة بشرية تحارب معا، سوية , وكان شمعون پيرس، وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق، قد وصف ليبوبتش بهذه الكلمات: "يهودي كبير ورجل متألّق وصاحب مواهب لامعة وإنسكلوبيديا , دائرة معارف متنقلة. تاريخيا يمكن القول إن الصهيونية كانت على الأقلّ جزئيا سببا في نشوء الحركة القومية في فلسطين ويعتقد البعض أنها يجب أن تكون المسؤولة عن مخاض دولة فلسطينية.


لارسال اخبار ومواد لموقع كفار واي راسلونا عبر البريد الالكتروني [email protected]
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
1. مجد -
15/5/2008 - 07:26:23 pm
مقال جميل نحنتاج المزيد من هذه المقالات القيمه نفخر ونعتز بامثالك يا دكتور حسيب
قنوات الموقع
Copyright © Kfary.com 2007-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع كفار واي
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com
X أغلق
X أغلق