اخر المقالات
21/5/2008 - 02:22:13 am
القدّيس توما الكمبيسي ودُرَر مختارة من الاقتداء بالمسيح

القدّيس توما الكمبيسي

ودُرَر مختارة من ”الاقتداء بالمسيح” بالروحانيات فوّارة

ا.د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

هذا الكتاب ”الاقتداء بالمسيح”، غنيّ عن أي تعريف في العالم الغربي الذي يعرفه ويثمّنه عاليا منذ قرابة ستّة قرون بلغاته القومية المختلفة، أما الحال في شرقنا العربي فالأمر مختلف تماما في تقديرنا. هناك بضع ترجمات عربية له، مثل ترجمة وتحقيق حشيمة اليسوعي وترجمة الأب بطرس المعلم البولسيّ، وهذه الأخيرة هي التي تحت يدي وقد حظيتُ بنسخة منها من قبل سيادة المطران نفسه بطرس المعلم بحيفا في أواخر العام 1999. وهذه هي الطبعة الخامسة التي صدرت في بيروت، ضمن منشورات المكتبة البولسية، سنة 1990 في حين أن صدور الطبعة الأولى كان عام 1980 . بين دفتي هذا السفر خمسمائة وستّ صفحات من القطع الصغير الصقيل، فيه تصدير وتقديم حول أهمية ما في الكتاب من روحانيات وجهود الترجمة دون أي تطرق لهوية المؤلف والخلفية التاريخية. يتوزّع الكتاب على أربعة أسفار تحمل العناوين التالية: نصائح مفيدة للحياة الروحية؛ نصائح تقود إلى الحياة الداخلية (الأطول)؛ في التعزية الالهية؛ في سرّ القربان المقدس، وفي ذيله فهرسان، الأول هجائي للمواضيع وآخر لفصول الكتاب. من هذه المواضيع الكثيرة يمكن الإشارة إلى ما يلي: الإيمان، البخل، الثقة، الجهاد، الحب والمحبة، الحرية، الحق، الحكمة، الدينونة، راحة النفس، الصليب، الصلاة، الصمت، الطهارة، القربان الأقدس، المسيح، إنكار الذات، التواضع.

يبدو أن هذا الكتاب كان قد خُطّ أصلا باللغة اللاتينية في بداية القرن الخامس عشر في دير كاثوليكي في هولندا، بالقرب من مدينة أترخت ويتبع مدرسة وندسهايم الصوفية وقد صدر بهذه اللغة للمرة الأولى دون ذكر اسم المؤلف عام 1418. وظلّت هويتُه مجهولة مدة طويلة ونُسب إلى كتّاب روحيين كثيرين أمثال St. Bernard, St. Bonaventure, Innocent III, Henry of Kalkan, John à Kempis, Walter Hilton, Jean Charlier, Giovanni Gersen  الراهب الألماني الأصل، كما ثبت مؤخرا، هو المؤلف أو الجامع Thomas  Kempis وقد ولد عام 1380 في مدينة كِمْپِن الواقعة بالقرب من نهر الراين، حوالي خمسين كم إلى الشمال من مدينة كولون، وتوفي عام 1471 في دير إخوة الحياة المشتركة بأترخت الهولندية قاضيا آخر سبعة عقود من عمره هناك. وكان اسمه قبل انخراطه في الكهنوت Thomas H?mmerlein / Hemerken  أي توما ذي المطرقة الصغيرة، سيم كاهنا عام 1413 وقضى عمره على هذه الفانية في الرياضات الروحية التأملية والتأليف والنسخ، وكان قد نسخ الكتاب المقدس أربع مرات وهناك واحدة منها ما زالت محفوظة في مدينة دارمشتات الألمانية. وله مؤلفات أخرى مثل ”الحكمة الحقيقية” وباللاتينية ?يرا ساپنتيا، ونسخ مؤلفاتٍ عدة للآباء لا سيما للقديس برنارد. ويُشار إلى وجود عدد كبير من المخطوطات للسفر الذي نحن بصدده في مختلف أقطار أوروبا الغربية، وتجدر الإشارة هنا إلى مخطوط، كودكس، يعود تاريخه لعام 1441 وفيه توقيع الأب توماس وهو محفوظ في المكتبة الملكية ببروكسل تحت الرقم 61 -5585 .

يُعتبر هذا السفر الذي تُرجم إلى أكثرَ من خمسين لغة وصدرت منه آلاف الطبعات، أكثر الأسفار المسيحية رواجا وأهمية بعد الكتاب المقدس بعهديه القديم والحديث. مصادره ثلاثة، الكتاب المقدس وكتابات آباء الكنيسة القدامى وكتابات المتصوفين في العصور الوسطى. ولا بدّ من التنويه أن هذه العناصر قد حيكت بمهارة فائقة وبإحساس ديني مرهف وبلغة عذبة سلسة، جعلته حيا نابضا رغم تقادم الزمن. إنه نتاج خبرة القديس توماس الروحية الباطنية التعبدية. وهذا الكتاب الروحي، كان ينبوع فهم وراحة للملايين من الكاثوليكيين والبروتستنتيين على حدّ سواء عبر القرون. موضوعه الجوهري، يسوع المسيح، الإله الحقّ والإنسان الحقّ، وعبر الاقتداء به إنساناً يغدو المسيحي أكثر فأكثر كالمسيح الإله. إنه يناجي روح كل مسيحي مذكّراً إياها بأن الدهر قصير والأبدية مديدة.

كان جان جاك روسو في القرن الثامن عشر قد قرأ الكتاب وأضاف عليه حواشي كاملة وعلّق قائلا: ”ليت لي إيمان كإيمان توماس أكيمبس”. أما جون وسيلي، الواعظ البريطاني المعروف، فقد وضعه من حيثُ المرتبةُ بعد الكتاب المقدس مباشرة والمؤرخ الأمريكي، ول ديورنت، صاحب موسوعة ”قصة الحضارة” قد أطلق على الكتاب الاسم ”الإنجيل الخامس " سُطّرت عبارات هذا السفرعلى منوال الكتاب المقدس، تقسيم لفصول وآيات، في فترة ظلامية كان فيها النزاع بين الدين والدولة محتدما والنظام البابوي في انحلال، ورمى مؤلفُه من وراءه المساهمة في إصلاح الكنيسة الكاثوليكية والتركيز على الحياة الشخصية من منطلق ”إبدأ بنفسك”، وكتبه لزملائه الرهبان. كان توما الكمبيسي أحد الرجال المتنورين الورعين أمثال ريكهارت الفيلسوف وهنري سوسو الشاعر وجون رايزبروك رجل الرؤى عن محبة الله وجون تولر المبشر الغيور الذين رأوا بأن الدين الحقيقي هو الغرق في الخالق ومعه. وبعد ذلك بقرابة قرنين من الزمان نجد أسفارا صغيرة الحجم حول الموضوع نفسه، اعتماد التأمل والتبصر والتلبث والتطلع بغية قهر الأنانية والغرور والكبرياء وكل الأهواء والشهوات الأرضية. نذكر منها هنا سفر ”قطرة عسل مختارة من المسيح الصخرة” لتوماس ولكوكس 1622-1687 ويُنظر في سفر المزامير 16:81 عالمنا الراهن في مسيس الحاجة لمثل هذه النفحات الروحية التعبدية لنتمكن جميعا من تقليل دواهي الحياة وبؤسها ومنغصاتها من ظلم وانتقام وشرّ وجشع، ”الاقتداء بالمسيح” ليس من نوع الكتب التي تقرأ مرة واحدة وتطرح جانبا بل إنه زاخر بمادة للتأمل الدائم ويتطلب الصفاء الذهني، ”فتّش عن الخلوة واهوَ الإقامة أنت ونفسك دون الغريب”، فهو مفعم بروح محبة الباري، فقد ورد في سفر البشير يوحنا، الإصحاح الثامن العدد الثاني عشر: من يتبعني، يقول الربّ، فلا يمشي في الظلام”، وبهذه العبارة يستهل المؤلف سفره هذا.

والقراءة الروحية تمرّ في مراحل أربع، أولها القراءة العادية الصامتة فالتأمل فالخلود إلى الراحة بجوار الربّ فالتحكم بأعمالك على هدي هذا الفهم الجديد.

لا مندوحة من تفجير ثورة بسيكولوجية ثقافية نابعة من أعماق كل فرد في هذه القرية المعولمة. نعم، الكتاب، كما أسلفنا، يعيد صياغة أفكار وتأملات وردت في المصادر الثلاثة المذكورة إلا أنه جدير بالتأمل وفيه ما يلبّي احتياجات كل دارس له روحانيا بالرغم من إمكانية المخالفة في الرأي هنا وهناك لا سيما بصدد دور العقل في حياة الإنسان المؤمن .

إليك فيما يلي بعض المقتطفات ”لفتح الشهية” من هذا السفر الضروري وجوده في مكتبة كل بيت يحترم الثقافة حقّاً ليستِ الأقوالُ السامية هي التي تجعلُ الإنسانَ قدّيساً وصدّيقاً، بلِ السيرةُ الفاضلةُ هي التي تجعله عزيزاً على الله

مَن يُحْسِنُ معرفةَ نفسِه، يحتقر ذاتَه، ولا يلتذُّ بمديح الناس

كثيرةٌ الأمورُ التي قلّما تُفيدُ النفسَ معرفتُها، وقد لا تفيدُها البتّة

بمقْدار ما تزدادُ توسّعاً وتعمّقاً في العلم، تكونُ دينونتُك أشدَّ قسْوةً، إنْ لم تزْددْ سيرتُك قداسة

إن أردتَ أن تتعلّم وتعرِفَ شيئاً مفيداً، فارغب في أن تكونَ مجهولاً ومعدوداً كلا شيء

أيُّ جِهادٍ أشدُّ من جهاد الإنسان الدائب على قهْر نفسه؟ فهذا ما يجبُ أن يكون شغلُنا: أن نقهرَ ذواتِنا، وأن نزدادَ

قوّةًَ في كل يوم، ونُحرزَ بعضَ التقدّم في الصلاح

العظيمُ حقّاً مَن كانت محبّتُه عظيمة

لولا رغبتُنا في الاهتمام بأقوال الآخرينَ وأفعالهم، وبالأمور التي لا تعنينا، لكان في استطاعتنا أن نتمتّعَ بسلام

قاومِ الداءَ في أوّله، لئلا يُزمنَ بتأخّر الدواء

حوِّل عينيْكَ إلى نفسك، واحْذر أن تدينَ أفعالَ الآخرين

إنّه لَيَعملُ كثيراً مَن يحبّ كثيرا

إكبحِِِِ الَحنْجَرةَ، يسهُلُ عليك كبحُ كلِّ ميْل جسديّ

ألصّمْتُ الكاملُ أيْسرُ من عدم الإفراطِ في الكلام

ما مِن حريّة حقّة ولا فرحٍ صادق، إلا في مخافة الله وفي الضمير الصالح

جاهِدْ ببأْس، فالعادةُ بالعادةِ تُغْلَب

إنْ لم تَقْهَرْ نفسَك، فلن تنتصرَ على الرذيلة

مَنْ كان اليومَ معك، فقد ينقلبُ غداً عليكَ؛ والعكسُ بالعكس، فإنّ الناسَ كثيرو التقلّب كالريح

لا تهتمَّ كثيراً في مَن معك أو من عليك، بل في هذا اجعَلّ همَّك واجتهادَك: أن يكونَ اللهُ معك في كلّ ما تعمل

الإنسانُ المسالم أكثرُ نفعاً من العلامة

إن شئتَ أن يحتملَك الآخرونَ، فاحْتملْهم أنتَ أيضا

إنْ أنتَ قصرْتَ النظرَ على ظواهر الناس، خُدِعْتَ سريعا

لِمَ تطلبُ الراحةَ، وأنتَ موْلودٌ للعناء؟

ضَع نفسَك أبداً في المحلّ الأدْنى، تُعْطَ الأسْمى، لأنّ الأسمى لا يقومُ بغير الأدْنى

كثيرونَ يتْبعونَ يسوعَ إلى كسْر الخُبْز، أمّا تابِعوه إلى شُرْب كأْس الآلام فقليلونَ

أينَ تجدُ إنْساناً يَرْضى أنْ يخْدُمَ اللهَ مجّاناً

قليلٌ منَ العلْم ويسيرٌ من الفَهم معَ التواضع، خيرٌ من كُنوز عِلم عظيمة مع العُجْب الباطل

ما أطيبَ وألذَّ العُبوديةَ لله، إذ بها يصيرُ الإنْسانُ حرّاً وقِدّيساً حقّاً

ربّ أعطني ما تشاءُ، وبقَدْر ما تشاء، ومتى تشاء

لا يُبلَغُ إلى الراحة بغير عناء، ولا يُحرزُ النصرُ بغيْر قِتال

عليكَ أن تَسْتعِدَّ للألم اسْتعدادَك للفرحِ، وأن ترْضى بالفقْر والفاقة، رِضاكَ بالسَّعَة والغِنى

إعْلمْ أنّ حبَّكَ لذاتِك، هو أضَرُّ بك من كلّ ما في العالَم

القلبُ الطاهرُ لا يُصْدِرُ إلا ثمارَ حياةٍ صالحة

أهْجُر كلَّ شيءٍ فتجدَ كلَّ شيء، أتُرُكِ الشهوْةَ فتجدَ الراحةَ

كثيرونَ همُ الثَّرثارونَ، وقلّما ينْبغي أنْ نُصَدِّقَ أقْوالَهم. وما عدا ذلك، فإرْضاءُ الجميعِ منَ المحال

قال المسيحُ: يا بنيَّ، أُتْرك نفسَك تجدْني

نادرٌ الصديقُ الأمينُ، الذي يثبُتُ على الوَلاء لصديقِه في جميع مضايقه

عليكَ أن تعملَ غالباً ما لا تُريدُ، وأن تتركَ ما تُريد

الغلَبةُ الكاملة، إنما هي انتصارُ الإنسانِ على نفسه

إن شئتَ أن تكونَ كاملاً فبِعْ كلَّ شيء

عظيمةٌ هي مُهمّة الكهنة، وعظيمةٌ رتْبتُهم! فلقد أُعطيَ لهم ما لم يُعْطَ للملائكة

العقلُ البشريُّ ضعيفٌ قابلٌ الضلال؛ أمّا الإيمانُ، فلا يُمكنُ أن يضِلَّ

هذا أولا مصدر للمستزيد، وثانيا عنوان موقع على الشبكة العنكبوتية للحصول على نسخة إنجليزية للسفر مجانا

J. E. G. De Montmorency, Thomas à Kempis: His Age and Book (1906, repr. 1970).
Imitation of Christ” of Thomas A Kemus“ http://www.worldwideschool.org/library/books/relg/christiantheology/TheImitationofChrist/toc.html


لارسال اخبار ومواد لموقع كفار واي راسلونا عبر البريد الالكتروني [email protected]
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
قنوات الموقع
Copyright © Kfary.com 2007-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع كفار واي
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com
X أغلق
X أغلق